هل نحن أمام فوضى تجارية خرجت عن السيطرة، أم أمام واقع يُفرض على المدينة تحت أنظار الجهات المسؤولة؟
لم يعد المشهد في بعض شوارع حي جليز بمراكش، ذلك الحي الذي طالما شكل واجهة حضارية وسياحية للمدينة الحمراء، كما كان بالأمس. فالأرصفة المخصصة للراجلين، والممرات التي يفترض أن تضمن حرية التنقل وسلامة المارة، أصبحت في عدد من المواقع فضاءات لعرض وبيع مختلف المنتجات الموجهة للسياح، في مشهد يثير أكثر من علامة استفهام حول مستقبل هذا الحي الراقي.
والأخطر من ذلك أن الظاهرة، بدل أن تتراجع، تبدو وكأنها تتوسع يوماً بعد يوم، لتتحول بعض الأرصفة تدريجياً إلى ما يشبه سوقاً مفتوحاً، يزحف على الفضاء العمومي ويهدد جمالية أحد أشهر أحياء مراكش.
من المسؤول عن هذا العبث؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: من يقف وراء هذا الوضع؟ ومن يسمح باستمرار احتلال الملك العمومي بهذه الطريقة؟
هل هي السلطات المحلية التي يفترض أن تسهر على احترام القانون وتنظيم استغلال الفضاءات العمومية؟
أم المجلس الجماعي الذي تقع على عاتقه مسؤولية تدبير شؤون المدينة والحفاظ على جمالية شوارعها وأرصفتها؟
أم بعض أصحاب المحلات التجارية الذين قد يجدون في استغلال الواجهات والأرصفة المجاورة لمحلاتهم، أو تفويتها للغير بمقابل مادي، مصدراً إضافياً للربح؟
أم أن الأمر يتعلق بتداخل المسؤوليات وغياب المراقبة الصارمة، حتى أصبح الجميع يتعايش مع وضع غير طبيعي؟
إنها أسئلة مشروعة تستدعي أجوبة واضحة، بعيداً عن سياسة الصمت أو تبادل المسؤوليات.
جليز ليس سوقاً عشوائياً!
لا أحد يعارض التجارة، ولا حق المواطنين في البحث عن لقمة العيش، ولا أهمية الأنشطة التجارية المرتبطة بالسياحة في تنشيط الاقتصاد المحلي.
لكن التجارة شيء، وتحويل الأرصفة والممرات العمومية إلى فضاءات للبيع والعرض بشكل غير منظم شيء آخر تماماً.
فمدينة مراكش، التي تستقبل زواراً من مختلف أنحاء العالم، مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بالحفاظ على صورتها الحضارية، خصوصاً في أحيائها السياحية التي تشكل واجهتها أمام الزائر الأجنبي والمواطن المغربي على حد سواء.
ومن غير المقبول أن تتحول الممرات المخصصة للراجلين إلى متاهات تجارية، يضطر معها المارة أحياناً إلى مزاحمة السيارات أو البحث عن منفذ للعبور.
هل أصبح احتلال الملك العمومي أمراً واقعاً؟
ما يثير القلق ليس فقط انتشار هذه المظاهر، بل احتمال تحولها مع مرور الوقت إلى وضع دائم يصعب تصحيحه.
فكل مساحة يتم التساهل في احتلالها اليوم قد تشجع على احتلال مساحة أخرى غداً، إلى أن نجد أنفسنا أمام واقع عمراني وتجاري جديد لم يكن جزءاً من أي تصور منظم للمدينة.
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية:
هل تتم هذه الاستغلالات بتراخيص قانونية؟ وإذا كانت مرخصة، فمن منحها؟ وعلى أي أساس؟ وإذا كانت غير مرخصة، فلماذا يستمر هذا الوضع؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة ليست ترفاً، بل ضرورة لحماية حق المواطنين في الفضاء العمومي، وضمان تكافؤ الفرص بين التجار، وصيانة جمالية المدينة.
كفى عبثاً بجمالية مراكش!
إن الحفاظ على جمالية حي جليز ليس مسؤولية السكان وحدهم، بل مسؤولية مشتركة تتحملها السلطات المحلية والمجلس الجماعي وكل الجهات المكلفة بتنظيم الفضاء العمومي.
والمطلوب اليوم ليس حملات ظرفية سرعان ما تتبخر نتائجها، بل تدخل جاد ومستمر يقوم على مراقبة التراخيص، ومنع الاستغلال غير القانوني للأرصفة، وإعادة الاعتبار للممرات المخصصة للراجلين، مع إيجاد حلول منظمة تحفظ حقوق التجار دون المساس بحقوق المواطنين.
فجليز ليس مجرد حي تجاري، بل واجهة مراكش الحديثة، وجزء من هويتها العمرانية والسياحية.
وإذا استمر هذا التوسع دون تنظيم أو مساءلة، فقد يأتي يوم نفقد فيه ما تبقى من جمالية هذا الحي، لنكتشف أن الصمت كان شريكاً في صناعة الفوضى.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً من المسؤولين:
من يحمي جليز من الزحف العشوائي على أرصفته؟ ومن يملك الشجاعة لاتخاذ القرار قبل أن يصبح إصلاح الوضع أكثر صعوبة؟
فمراكش تستحق أفضل من هذا المشهد، وجليز يستحق أن يستعيد مكانته وجماليته.




Comments ( 0 )